صديق الحسيني القنوجي البخاري
428
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَكُلُوا في هذه الفاء وجهان أحدهما : أنها جواب شرط مقدر قاله الزمخشري والثاني : أنها عاطفة على محذوف ، قاله الواحدي وهو الظاهر مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عند ذبحه ، لما تقدم ذكر ما يصنعه الكفار في الأنعام من تلك السنن الجاهلية أمر اللّه المسلمين بأن يأكلوا مما ذكر الاسم الشريف عليه . وقيل إنها نزلت في سبب خاص كما أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالوا : إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل اللّه فأنزل اللّه هذه الآية إلى قوله : إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [ الأنعام : 121 ] « 1 » ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكل ما ذكر الذابح عليه اسم اللّه حل إن كان مما أباح اللّه أكله وقال عطاء في هذه الآية الأمر بذكر اللّه على الشراب والذبح وكل مطعوم . والشرط في إِنْ كُنْتُمْ للتهييج والإلهاب بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ أي بأحكامه من الأوامر والنواهي التي من جملتها الأمر بالأكل مما ذكر اسم اللّه عليه لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتف أنفه ، وهذا يدل على أن الخطاب للمسلمين وقيل كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الميتة فقيل أحلوا ما أحل اللّه وحرموا ما حرم اللّه ، وعلى هذا الخطاب للمشركين والأول أولى . وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ الاستفهام للإنكار أي ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد أن أذن لكم بذلك ، وفيه تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم اللّه دون غيره وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أي والحال أنه قد بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [ الأنعام : 145 ] الآية وقال السيوطي يعني آية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] أي آية المائدة . وحينئذ في المقام إشكال أورده الرازي وحاصله أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية من آخر القرآن نزولا بالمدينة ، وقوله : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ يقتضي أن ذلك التفصيل قد تقدم على هذا المحل ، والمدني متأخر عن المكي ، فيمتنع كونها متقدمة ثم قال : بل الأولى أن يقال هو قوله بعد هذه الآية : قُلْ لا أَجِدُ وهذه وإن كانت مذكورة بعدها بقليل إلا أن هذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد انتهى . قلت وذكر المفسرون وجها آخر وهو أن اللّه علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول فبهذا الاعتبار حسنت الحوالة على ما في المائدة بقوله : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ باعتبار تقدمه في الترتيب وإن كان متأخرا في النزول واللّه أعلم .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب 13 .